ابن بسام

212

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

بواكره وروحاته ، ومرورك به وهو حوّ تلاعه ، مورّدة [ 1 ] صفاته / وأجزاعه ، وكلّ المشارب ما خلاه ذميم [ 2 ] ، وماؤه الدهر خصر والمياه حميم ، وتلك عادة تلوّنك ، وسجية تخضرمك ، وشاكلة ملالك وسأمك ، وأشعر الناس عندك من أنت في شعره [ 3 ] ، وأحبّ البلاد إليك ما أنت في عقره [ 4 ] ، فأين منك بساتين جلّق وجنانه [ 5 ] ، ورياضه المونقة وخلجانه ، وقبابه البيض في حدائقه الخضر ، وجوّه العطر في جنابه النضر ، وما تضمّه حيطانه ، وتمجّه نجاده [ 6 ] وغيطانه ، من أمهات الراح التي هجرتها بزعمك ، وموادّ الشمول التي طلّقتها برغمك . وهيهات ! فو اللّه ما فارقتك [ 7 ] تلك الأجارع والمحاني ، ولا شاقتك تلك المنازل والمغاني ، إلّا تذكرا لما لدينا من طيب المعاهد ، وحنينا إلى ما عندنا من جميل المشاهد ، وأين من المشتاق عنقاء مغرب [ 8 ] . وأما ما وصفته من صحة استمرائك ، ونفوذ غذائك ، وإفاقتك من جنون العقار ، واستراحتك من سقم الخمار ، وخلوص تلك الهواجس من اختلاط الرأس [ 9 ] ، فاعلم أن الغيّ ما أنت فيه منذ اليوم ، والوسواس ما سمعت به أسماع القوم ، وقد أدّانا صادق القياس ، إلى علم سبب ذلك الوسواس فإنك تعرّضت للسّموم غير ملثّم ، وبرزت / إلى الهجير غير معمّم ، فأنت عملّس [ 10 ] أسفار ، وخرّيت [ 11 ] مهامه وقفار ، فتخلّل الخام [ 12 ] اللجج ، وتقطّع البلغم اللزج ، وتصاعدت أبخرة البدن إلى أعلاه ، فقذف بذلك المحال الذي أملاه .

--> [ 1 ] ط د س : مرورة ؛ النفح : مورودة هضابه وأجراعه . [ 2 ] من قول الشاعر : اقرأ على الوشل السلام وقل له * كل المشارب مذ هجرت ذميم [ 3 ] من قولة أوردها ابن قتيبة في الشعر والشعراء : 26 . [ 4 ] ب م : عفره . [ 5 ] ب م د ط س : وجناته . [ 6 ] ط س د : تحتوي عليه نجاده . [ 7 ] ط د س : فارقت . [ 8 ] من قول المتنبي : أحن إلى أهلي وأهوى لقاءهم * وأين من المشتاق عنقاء مغرب [ 9 ] الرأس : سقطت من س . [ 10 ] العملس : القوي الشديد على السفر ؛ ط س : عماس . [ 11 ] الخريت : الدليل الحاذق بالدلالة . [ 12 ] ب م : الحام ؛ والخام ؛ نوع من البلغم ( مفيد العلوم : 41 ) .